أبو نصر الفارابي
8
الجمع بين رأيي الحكيمين
سقراط الذي يضع المعرفة الحقة في العقل ويجعل موضوعها الماهية المجردة الضرورية . فاستقصى أنواع المعرفة ، فكانت أربعة : 1 - الاحساس ، وهو ادراك عوارض الأجسام أو أشباحها في اليقظة وصورها في المنام . 2 - الظن ، وهو الحكم على المحسوسات بما هي كذلك ، وهذه الأحكام نسبية متغيرة لتعلقها بالمادة . 3 - الاستدلال ، وهو علم الماهيات الرياضية المتحققة في المحسوسات ( مثل الحساب والفلك والهندسة والموسيقى ) ؛ فان هذه العلوم ، ولو أنها تبدأ من المحسوسات وتستعين بها ، الّا ان لها موضوعات متمايزة من المحسوسات ولها مناهج خاصة ، فمثلا الحساب علم يبحث عن الاعداد أنفسها بصرف النظر عن المعدودات ، والهندسة هي النظر في الاشكال أنفسها ، والفلك يفسر الظواهر السماوية بحركات دائرية راتبة ، والموسيقى علم يكشف النسب العددية المقومة للالحان . هذه العلوم تضع امام الفكر صورا كلية ، ونسبا وقوانين تتكرر في الجزئيات ، لذا يستخدم الفكر الصور المحسوسة في هذه الدرجة من المعرفة لكن لا كموضوع بل كواسطة لتنبيه المعاني الكلية المقابلة لها والتي هي موضوعة . 4 - التعقل ، وهو ادراك الماهيات المجردة من كل مادة : مثلا نرى الشيء الواحد كبيرا بالإضافة إلى آخر ، صغيرا بالإضافة إلى ثالث ، مما يدل على أنه في نفسه ليس كبيرا أو صغيرا ، وان الكبر والصغر معنيان مفارقان له نطبقهما عليه . وكأن نرى الشيء الواحد شبيها بآخر أو مضادا أو مباينا ، مساويا أو غير مساو ، جميلا خيرا عادلا ، إلى غير ذلك من الصفات المفارقة للأجسام ، والمتعلقة من غير معاونة الحواس . فنتساءل عن الكبر والصغر والتشابه والتضاد والتباين والتساوي والجمال والعدالة وما إليها ، كيف حصلنا عليها وهي ليست محسوسة ، وهي ضرورية لتركيب الاحكام على المحسوسات . فيلوح لنا حينئذ انها موجودة في العقل قبل الادراك الحسي . نظرية المثل : لا بد أن تكون تلك المعاني الضرورية للحكم على المحسوسات موجودة في العقل قبل الادراك الحسي ، لأنها هي التي تجعل الحكم ممكنا ، ولأنها مجردة عن المادة وعوارضها ، كاملة ثابتة ؛ فلا يمكن ان تحصل في النفس عن الأجسام الجزئية المتغيرة ، فلا يبقى الّا انها حصلت في العقل عن موجودات مجردة كاملة ثابتة مثلها ، وان هذه الموجودات ، التي هي مبادئ المعرفة عندنا ، هي أيضا مبادئ الأجسام ، وان الجسم جزء